السيدان شيفباور..أخوان من المهد إلى اللحد

2019-07-17 14:48:15

يوميات مغترب

أثناء توجهي البارحة إلى مكان عملي عبر قطار الأنفاق لفت انتباهي عجوزان أحدهما مقعد والآخر يدفع كرسية بخطوات متثاقلة، نهضت لأفسح لهما المجال، فقدما لي الشكر مع ابتسامة العجائز الطيبة، ثم جلس القادر على المشي وجذب كرسي الآخر نحوه حتى ألصقه به.

بعد إنتهاء لحظة الإيثار واحترام الكبير بدأتُ بملاحظة الشبه بينهما، إنهما توأم متماثل، نعم إنهما متطابقان لولا أن رأس أحدهما مشتعل بالشيب أكثر!

قررت في أجزاءٍ من الثانية أن أتقدم نحوهما وأبادلهما الحديث، الأمر لم يكن صعبًا فالعجائز في ألمانيا تقتلهم الوحدة ويتوقون لسماع كلمةٍ لطيفة من عابر سبيل، تحججت بالسؤال عن اسم المحطة ثم تجاذبنا أطراف الحديث وتطرقت سريعًا إلى حالة المواصلات العامة في ألمانيا، قصدت اختيار الموضوع لأسألهم عن خدمات المواصلات قديمًا، ثم لأبدأ بإكالة الأسئلة عن الأيام الغابرة فأتمكن من الوصول لبعض المعلومات عنهما.

يبلغان من العمر 82 عامًا، أحدهما نجّار والآخر صانع حلوى، يحاولان الإهتمام بالشؤون الدينية بشكل خجول على غرار سائر الجيل الأوروبي القديم، فقد تعجبا حين قُلت إن المسيح كان نجارًا أيضًا.

بدأت علاقاتهما الاجتماعية بالتبخر منذ التقاعد، وبدأت الوحدة تجتاح حياتهما حين توفيت زوجة أحدهما بينما كان الثاني مطلقًا منذ سنوات طويلة، استمر الحال بالتدهور حتى وصلا للعزلة التامة قبل عشرة أعوام، وهي ذات الفترة التي أصيب بها المقعد بالشلل النصفي.

عجوز مريض وحيد متقاعد تعيش ابنته في مدينة تبعد مئات الكيلومترات في ظل مجتمع متفكك، فلا بد أن يكون مصيره دار المسنين، لكن أخيه التوأم كان على موعدٍ ليعلمنا معنى الأخوة، فأتى به إلى مدينة بون حيث يعيش، وتعهده بالرعاية مع العلم أن جسده لا يخلو من الأمراض المزمنة هو الآخر.

يعتقد السيدان شيفباور أن مرضهما كان هدية من الله لتُكسر حالة الجمود والموت البطئ، فهما الآن يؤنسان بعضهما ويتبادلان الرعاية والعناية، كما تشجعا للسفر وزيارة الكثير من البلدان رفقة بعضهما، عدا عن تذكيرهما الدائم لموعد الدواء.

العجوزان يتذكران أيام الشباب ويضحكان، حيث تقدم أحدهما لامتحان القيادة بالنيابة عن الآخر ولم يكتشف الممتحن ذلك، والكثير من التفاصيل المضحكة حتى وصل الأمر لذروته حين تزوجا بأختين في ذات اليوم.

دخول القفص الذهبي وتزايد المسؤوليات أجبرهما على العيش في مدينتين متباعدتين، ليعيدهما المرض بعد سنوات طويلة للعيش في ذات الحجرة والنوم على ذات السرير كأيام الطفولة تمامًا، هما سعيدان لكونهما ولدا على سريرٍ واحد وسيموتان كذلك، حتى أنهما قاما بشراء قبرين ملتصقين.

من المؤكد أن الحديث طال حتى تجاوز القطار حدود مدينة بون ووصلنا لمدينة زيغبورغ وابتعدت عن مكان عملي كثيرًا، لكن قصة كهذه أضيفها ليومياتي تستحق أن أتأخر لبضعة دقائق، في النهاية صارحتهما بكوني طالب إعلام أكتب مذكراتي على شكل منشورات قصيرة، وطلبت الإذن في نشر بعض المعلومات عنهما مع التعهد بعدم نشر صورة الوجه ولا الأسماء الأولى، فقبلا بلا تردد، ومازحني أحدهما قائلًا: إن كنت ستصنع فيلمًا فعليك أن تسرع قبل أن نموت!

عدت سريعًا إلى عملي، وتنقلت طيلة الطريق بين الصور القديمة التي تجمعني بحمزة ومحمد وقبلتهما ولو عبر شاشة الهاتف، وغدوت مرددًا:

أخاك أخاك إن من لا أخاً له .. كساع إلى الهيجا بغير سلاح