حرارة الفقر تضاعف حرارة الشمس

2019-08-09 09:38:49

عيد الأضحى الذي يصادف يوم الأحد القادم، يمر هذا العام في ظل ظروف اقتصادية ومعيشية صعبة للغاية، أفقدته الفرحة، وأفقدته أحد مضامينه.

الصيف معروف في هذه البلاد بحرارته، ولكنه هذا العام يكتسي حرارة اضافية تجعل الناس غير قادرين على تحملها.

هو صيف الواجبات الاجتماعية والمناسبات الكثيرة، التي يجدر بمن أراد أن يتعامل مع متطلباته أن يوفر ما استطاع خلال العام كله، حتى يفي بتلك المتطلبات الثقيلة والمتلاحقة.

بعد رجائنا بأن لا يتنطح لنا من سيناقش خصائص هذا العيد من وجهة نظر دينية متخصصة، فإن عيد الأضحى هذا العام، ليس فيه ما يفرح القلوب المتوجعة سوى أن عطلته تمتد لعشرة أيام.

عطلة لعشرة أيام لمن يزاول عملاً، هي فرصة للراحة والمتعة، لكنها بالنسبة للأكثرية وهم العاطلون عن العمل، فإنها فرصة لمزيد من الملل والاحباط والتشاؤم، والحسرة.

منذ بداية الصيف حل على الناس، شهر رمضان الكريم، بكل ما فيه من واجبات ومصاريف مرهقة، سبقت عيد الفطر، الذي لم يكن هو الآخر، سعيداً، بسبب ما ينطوي عليه من تكاليف مرهقة، خصوصاً وأن خصم الرواتب من موظفي القطاع العام في الضفة الغربية الذين انضموا إلى زملائهم في غزة، قد بدأ قبل ذلك بنحو شهرين.

والصيف هو صيف نتائج التوجيهي، الذي لا ندري لماذا لا يزال يشكل منعطفاً مفصلياً للأهل قبل الطلبة، ما يستدعي الاحتفال، والمباركة. عشرات إن لم يكن مئات الطلبة الذين يحققون النجاح من طلبة الثانوية العامة، من العائلة والجيران، والأصدقاء، الذين يترتب حمل الهدايا لهم. وفصل الصيف هو فصل الأعراس بامتياز، بكل ما تنطوي عليه من تكاليف وجهد، ونقل الهدايا.
والحقيقة أنه دون هذه المناسبات المكلفة، فإن الناس بعد خصم الرواتب بالكاد يستطيعون تدبير أمورهم المعيشية، وأكثرية الموظفين يشتكون من القروض والديون المتراكمة، التي أخذوها حين كان الحال على غير هذا الحال.

محزن الوضع الاجتماعي في سائر أنحاء الوطن، ذلك أن الموظفين وهم أغلبية الطبقة الوسطى، هم ورواتبهم من يشكلون الدينامو، لتحريك الوضع الاقتصادي، ولسبب ما يعانون منه هذه الأيام فإن الوضع الاقتصادي والمعيشي في حالة تدهور.

في أعياد الأضحى اعتاد الناس، على تقاليد لم يغادروها منذ قرون، وهم غير قادرين على تغييرها، رغم الضغط الاقتصادي. هو عيد صلة الرحم، وتقديم العيدية، الأمر الذي يشكل جزءاً من ظاهرة التكافل الاجتماعي، والتواصل العائلي.

لم تعد العيدية تصرف للأطفال، ولا بالإمكان توسيع دائرة تقديم العيدية إلاّ في حدودها الدنيا، لكن هذه الحدود تقلصت حتى أصبحت بالنسبة للبعض عند حدود الصفر.

أحد الأصدقاء وهو موظف قطاع عام، قال لي إنه لن يخرج في هذا العيد، وأنه سيبقى عند والدته كل الوقت، لأنه لا يستطيع القيام بما يتوجب إزاء صلة رحمه.

صديق آخر، لم يتأثر راتبه بالخصم، لأنه يعمل في مؤسسة أهلية ويتلقى راتباً جيداً، يشكو من ثقل الأحمال الاجتماعية، فما يمكن أن يفيض منه كل شهر، تستنزفه واجبات التكافل الاجتماعي، حتى اصبح حاله، حال موظفي القطاع العام.

على ذمة راديو علم في الخليل، يقول أحد الصحافيين، إن التجار استوردوا هذا العام خمسة وعشرين ألف أضحية بين عجول وخرفان، يضاف إليها نحو خمسة آلاف يوفرها مربّو الأغنام في الضفة، وبالرغم من تخفيض الأسعار، إلاّ أن الحجوزات على الحصص، صفر، الأمر الذي يدعو التجار للتذمر والخوف من الخسائر.

لا أدري إن كان هذا التقدير ينسحب على كل مدن وقرى الضفة أم انه فقط في رام الله والبيرة، ولكن حتى لو كان الأمر كذلك فإنه يشير إلى مدى الأزمة الاقتصادية التي يعاني منها الناس.

هذا يعني أن التجار سيضطرون لتخفيض الأسعار أكثر فأكثر لأنهم لا يتحملون تكاليف إطعام مواشيهم لأشهر أخرى، وان مرور المزيد من الوقت دون التصرف بالعجول، سيجعلها غير قابلة للتداول بسبب كبر عمرها. هذا يعني أن الأزمة لا تضرب فقط الطبقة الوسطى وإنما تطال مختلف فئات المجتمع من التجار، إلى المزارعين.

قبل نحو الشهر، كانت الخضار في غزة، بسعر التراب كما يقولون، فرطل البندورة بشيكلين، وكذلك رطل الباذنجان، وكيلو الكوسا والفلفل الحار بشيكل واحد، والبطيخ الخمس وعشرين كيلو بعشرة شواكل، وكلها إنتاج محلي، والسبب في ذلك كثرة العرض ومحدودية الطلب.

في غزة هذا العام تم استيراد عشرة آلاف أضحية، وستقوم وكالة الغوث بتوزيع لحوم على الناس، عدا عن لحوم الأضاحي التي سيجري استقدامها من السعودية، ولكن ليس باللحم وحده يحيا الإنسان.

بعض الناس وهم كُثر يتأفّفون من العيد، ويتمنون أن يكونوا مسافرين خارجاً، أو أن يستطيعوا البقاء في منازلهم، ما يعني أن الأضحية الأساسية في هذا العيد، هي التضحية بالكرامة الشخصية.

الفقر، في هذا العيد، يشن حملة واسعة، للرفق بالحيوان، كثير من العجول والخرفان ستنجو من السكاكين التي اعتادت في مثل هذه المناسبة أن تجز رقابها. الأمل معقود على أن يجد الناس بمن يقدم لهم الفقر، كأضحية، ولو في غير مناسبة العيد، وإلاّ فإن الفقر سيواصل ذبح الناس حتى لا تبقى إلاّ الحيوانات، التي حلّل الله لحمها للبشر.