العالم بعد مليون عام

2019-10-16 09:50:24

في الستينيات، طُلب من مجموعة باحثين وطلبة تصور شكل العالم سنة 2000، فتخيلوا اختراعات وأنماط حياة مدهشة.. والمثير، أن كثيرا منها تحقق.. وفي السبعينيات ظهرت مجموعة من أفلام الخيال العلمي تتصور العالم بعد مئات السنين، أكثرها ركز على غزو الفضاء، وبعضها وضع سيناريوهات لشكل المجتمعات البشرية مختلفة كليا عما نألفه الآن.. والعلم يعتمد على الخيال أحيانا، لا سيما وأن هذا الخيال مبني على أسس علمية.

تعالوا نوسع خيالنا، ونتخيل عالمنا بعد مليون عام.. قد نعثر في طريقنا على أشياء مدهشة: مواد بمواصفات خارقة، أمواج غير مرئية، فضائيين، قوانين فيزيائية جديدة، تفاعلات كيماوية.. قد نتوصل إلى إمكانية طي «الزمكان»، والوصول إلى كواكب مأهولة.

وقبل ذلك، لنتذكر أن عمر الجنس البشري لا يتعدى 200 ألف سنة، وعمر الحضارة الإنسانية يزيد قليلا على الخمسة آلاف سنة.. أما الثورة الصناعية فلا يتعدى عمرها ثلاثة قرون، ومعظم الاختراعات التي غيرت أنماط حياتنا ظهرت في الخمسين سنة الأخيرة.. ومع تلك الاكتشافات والاختراعات، أخذت البشرية تحقق قفزات نوعية في فترات أقصر بكثير، ما يعني أن المليون سنة التي سنجتازها في هذه الرحلة الخيالية تسمح لنا بتصور ما لم يخطر على بالنا من قبل.

بعد مائتي ألف سنة من تطور الإنسان البيولوجي، توقف عند شكله الحالي، فقد اهتدى إلى آليات التكيف، ولم يعد بحاجة لتطور بيولوجي، بيد أن تطور دماغه ماضٍ بلا توقف.

حسب الأسطورة البابلية؛ كان العالم كله يتحدث لغة واحدة ويفكر بعقل واحد في زمنهم، فبنوا صرح الحدائق المعلقة، ليصلوا به إلى السماء، وعندما تعددت لغاتهم وتشتت عقولهم إنهار الصرح.

صحيح أننا بنينا صروحا أضخم، وحققنا ما كان مستحيلا، بيد أن ما يمكن تحقيقه يفوق ذلك بكثير.

بدأ مسلسل حضارتنا باكتشاف النار، ثم كشف أسرار الزراعة، ثم الثورة الصناعية، فالآلة البخارية، إلى عصر الكهرباء، وصولا إلى الإنترنت، الذي دشن عصر المعلوماتية وثورة الاتصالات.

الحضارة البشرية تعتمد، اليوم، على الإنترنت، وبعد عقدين أو ثلاثة لن يظل الإنترنت مقتصرا على الحواسيب والهواتف الذكية، ستظهر الأسطح الذكية، ثم إنترنت الأشياء، إلى أن يتصل الدماغ البشري بالإنترنت، ويصبح معه شيئا واحدا.. تماشيا مع مسار تطور الذكاء الاصطناعي، الذي سيؤدي إلى اختراع روبوت ذكي. 

وقبل الوصول إلى العام مليون، سيكون هذا الروبوت من الذكاء بحيث يسيطر على الإنسان، فمع ذكاء حاسوب خارق، وقوة الفولاذ، وتقنيات ثورية، سيسود عالم الروبوتات، وستكون له قدرة على التكاثر والتواصل، وفي مناطق معينة سيقود السيارة، بينما الكائن البشري يجلس في المقعد الخلفي مربوطا بسلسلة، ليسلي الروبوت في رحلته، كما نفعل نحن الآن مع الكلاب. ومناطق أخرى ستكون تحت سيطرة قبائل الروبوتات، بعد أن حررتها من بني البشر.

في المناطق الخاضعة للبشر، بعد كشف كل أسرار الجينوم البشري، ستتيح تقنيات الهندسة الوراثية توليد طفل حسب المواصفات المطلوبة، على الكتالوج، سنصل إلى الإنسان شبه الكامل: جمال، صحة، قدرات رياضية خارقة.. وبتقنيات النانو، سيُزرع في دماغ كل إنسان خلية صغيرة لمضاعفة ذكائه، وتعظيم كفاءته في التواصل مع الآخرين.. وسيكون ممكنا توفير حبوب تعليم بأسعار منافسة، عبارة عن شريحة متناهية الصغر تضم المعلومات والمهارات التي ترغب بتعلمها.

وعند اقترابنا من العام مليون سنحصل على عقل بشري بقوة خارقة تفوق قدرات الحاسوب بمليار مرة.. ولكن هذا سيكون له ثمن باهظ.

تلك العقول البشرية فائقة الذكاء، ستتصل فيما بينها بواسطة تقنيات التخاطر، أي نقل وتوصيل الأفكار والمشاعر مباشرة، بمجرد التفكير ستتصل بالآخرين دون الحاجة للكلام، فربما يستغني البشر حينها عن الثرثرة، كما بدأنا نستغني حاليا عن الكتابة بخط اليد، وذلك تماشيا مع إيقاع سرعة الحياة الرهيبة، فالعقل يعمل أسرع من اللسان واليدين، ولا يملك هؤلاء ترف إضاعة الوقت بالكلام.

حينها سننتقل إلى الخطوة التالية: «ذكاء السرب»، الذي يحتاج سرعة تواصل كبيرة جدا، وهذا يعني دمج عقولنا في وعي واحد، أي تجاوز الفردية والاتحاد في ذات واحدة.

وعبر تقنية الرسائل الضمنية، سيمكن للجهات التي تتحكم بسحابة الإنترنت، تشكيل «قبائل رقمية»، ما يعني أن التقسيمات التي نعرفها الآن ستختفي، وسيتم تقسيم الناس إلى مجموعات رقمية.. الشعوب والأعراق ليست وحدها من سيختفي، ستختفي معها القوانين والدساتير والأديان والنظم الاجتماعية وحدود الدول.. سيتشكل عالم جديد كليا..

ستكون اللغة العالمية عبارة عن رموز تعبيرية، وتواصُل بواسطة الأفكار مباشرة، وهذا يعني نهاية الخصوصية الفردية.

النملة بمفردها لا تستطيع حل المشاكل، لكن سرب النمل بوسعه عمل أشياء خارقة، وهنا لنتخيل القوة المشتركة لسرب بشري بعقول بالغة الذكاء، متحدة معاً، ومدعومة بسرعة إنترنت خرافية، وتقنيات مذهلة لا نتصورها حاليا.. ولكن، قد تتشكل أسراب شريرة.. ما يعني أن الحروب الحالية بين الدول والشعوب والطوائف ستكون حروبا بين أسراب رقمية.

بعد ذكاء السرب سننتقل إلى المرحلة التالية والأخطر: «عقل الخلية»، أي اتحادا كاملا وانصهارا كليا للفرد في الكتلة البشرية، بعقل ووعي واحد.. وبهذه القوة الجبارة سنصل للإنسان الخارق، وسنتفوق على الطبيعة.. وسنتمكن من إعادة بناء برج بابل، والوصول إلى السماء.

وحسب برنامج بثته قناة «ناشيونال جيوغرافيك»، تحدث عن برنامج تفاعلي للحياة الثانية، ثلاثي الأبعاد، سمّته «ميتافيرس» (يشبه الماتريكس)، سيكون الإقبال عليه أكثر من موقع فيسبوك الحالي. ستتحول شخصك وروحك وعقلك إلى رقم، أو شخصية افتراضية، ستختار مغامرتك الشخصية كل يوم، أو أي بيئة لتعيش فيها افتراضيا، وبقدر ما تريد.. وفي الجيل الثاني من «ميتافيرس» ستتخلى كليا عن جسدك، وتحمل معلوماتك المخزنة في عقلك لتعيش داخل قرص صلب منسلخ تماما عن العالم الفيزيائي.

في تلك المرحلة سيتجول كل شخص خلف نظارات تعزله عن العالم، كما نمشي، اليوم، بسماعات «هيدفون»، سيكون جزء كبير من حياتنا افتراضيا، لدرجة يصعب التفريق بين الواقعي والخيالي. ستختار أهلا وأصدقاء افتراضيين، ولن تكتفي بعمل «بلوك» لمن لا يعجبك، ستقتله فعليا بكبسة «ديليت».. وقد يحدث هروب جماعي إلى العالم الافتراضي، أو تسـيِّر قوى شريرة قبائل زومبي.

في ذلك العالم البعيد، ستتم إعادة تعريف الإنسان، والثمن الذي سندفعه لقاء تطورنا تدمير الذات الإنسانية، والخصوصية، والإرادة الحرة، فضلا عن إمكانية اختراق أي عقل، ليس للحصول على ما فيه من معلومات وأسرار، بل والتحكم به أيضا.
تذكروا كيف كانت حياتنا قبل خمسين سنة، وأن البشرية لم تتمكن من إيقاف أي تطور تكنولوجي مهما كان خطرا أو سيئا.

ولكن، قبل ذلك الزمن بكثير، ممكن أن تنشب حرب عالمية ثالثة، تعيدنا إلى عصر الصيد وجني الثمار.