بين الأحمق وأسود القلب والبئر المعطلة

2022-08-04 09:03:54

تتعجب أحيانًا من شخصيات صعبة ومتعبة تصادفك بالحياة، فترى منها الحمقاء والغبية وما أكثرها حين تنظر.

إن الشخصية الحمقاء وتلك الغبية شخصية لا ترى الآخر لأنها لاتفقه، وتستهين بغيرها وتقلّل من شأنه، وتعجزعن الفعل المنظم، لكنها تظنُ بذاتها المقدرة على الفعل الناجز، أوالفهم الحصري لمجرد أنها أصبحت بموقع متقدم! ما وكان الكرسي يصنع القادة أو الحكماء أوالمنجزين أوالأتقياء، وهذه الشخصية بكل ذلك أبعد مسافة من الأرض عن الشمس.

تصادف من الشخصيات الصعبة تلك الشخصية المرعبة سوداء القلب التي مهما فعلت معها، فلن تستطيع بكل أنواع المساحيق أن تبيّض قلبها، فلقد أدمنت الظُلمة والسواد وما يجرّ ذلك من مكائد وإفساد وحقد وكراهية.

تواجهك شخصية الحاقد أسود القلب فتنظر الى أسفل إذ لا تستطيع ان ترفع عينيها في وجهك الا إن صبغت نظرتها باصفرار ضحكتها، إنها تسير متلفتة يُمنة ويُسرة كمن قرصتها عقرب تخالك تلاحقها، لأن ظلّك بحد ذاته يزعج هذه الشخصية ويوترها.

وتعجب ثالثة من تلك الفئة المكتملة بذاتها التي افترضت بذاتها الموسوعية والكمال أو التُقى أوالقيادية المُتخمة بالزهو، فلا تقبل منك أن تدلي بدلوك، فبئرها قد اكتملت ماؤه ولا يحتاج للتجدد وهو بالحقيقة "بئر معطلة" لا يستقي منها أحد. وبالطبع فإن الأمور السابقة عليه لا قيمة لها فهو أو هي اي الشخصية تضع خطًا لتكتب صفحة جديدة لا صلة لها بما سبق فهي أول الكتاب ونهاية التاريخ.

ولربما من هذه الفئات وجدت العديد ممّن حاورتهم أو قابلتهم فلقيت العنت والتعب معهم بشكل أرهقني حتى أنني فكرت مرارًا وتكرارًا بالابتعاد عن مساحة الفعل العام التي تخصصت بها.

الاحمق

قالت العرب قديماً في الحمقى أحمق من أبي غبشان، وقالت: أحمق من (عجل) .. وعجل هو عجل بن لجيم وهو من الحمقى المعروفين وذلك أنه قيل له: ما سميت فرسك ؟ فقام ففقأ عينه، وقال : سميته (الأعور)! وفيه يقول جرثومة العنزى: (رمتني بنو عجل بداء أبيهم ... وأي امرئ في الناس أحمق من عجل ؟) فصارت به الأمثال تضرب في الجهل.

سئل أحد الأئمة عن الحماقة فعرّفها: الأحمق هو الذي إذا استغنى بطر، (ولنقل من عندنا أنه أيضًا الذي تبوأ موقعا فظنّ بنفسه الفهم) وإن افتقر قنط، وإن فرح أشر، إن قال فحش، وإن سأل ألح ، و إن قيل له لم يفقه (لم يفهم أو لا يريد أن يفهم)، وإن ضحك نهق، وإن بكى خار.

وقد جاوز عدد أسماء الأحمق بالعربية الأربعين اسماً منها الرقيع، المائق، الهلباجة، الخطل، الخرف، الماج، المسلوس، المأفون، المأفوك، الْفك، الفقاقة، الهجأة، الألق، الخوعم، الألفت، الوطيء، الباحر، الهجرع، المجع، الهبنك، الأهوج، الهبنق، الأخرق، الداعك، الهبنقع، المجع، الذهول، الجعبس، الأوره، الهوف، المعضل، وغيرها، ولو لم يكن من فضيلة الأحمق إلا كثرة أسمائه لكفى.

ومن الطيور الحمقاء مثال (النعامة التي إذا مرت ببيض غيرها حضنته و تركت بيضها ) .أما من النباتات التي ضربت فيها المثل بالحماقة هي البقلة الحمقاء وهي نوع من النباتات التي تنبت في مجرى السيل، وقد قال علي بن أبي طالب رضي الله عنه (وينسبها آخرون للإمام الصادق): (الأدب عند الأحمق كالماء العذب في أصول الحنظل كلما ازداد رياً زاد مرارُه).  

والأحمق الأبرز الذي قابلته أنا كنموذج كان شخصية لولبية لا تستطيع أن تتكيء على ركن وثيق فهو مخلخل الأرجاء، قليل الثقة بالآخرين، لديه من الظنون بذاته الكثير وكلها وبحسب إصدقائه في الشركة التي يعمل بها يعرفون نواقصه ويتعامون عن ذكرها له رغم حُمق أفكاره وضعفها وتسببها في دمار الشركة، الا أن قرابته برئيس مجلس الإدارة قد أعفته من كل مسؤولية فشل يلقيها على غيره، والنماذج غير هذه قد تجد مثلها حولك في كل مكان.

أسود القلب

 في الحقد قالت العرب هو إضمار الشر للجاني إذا لم يتمكن من الانتقام منه، فأخفى ذلك الاعتقاد إلى وقت إمكان الفرصة، ووقال الفيلسوف الجرجاني: الحقد هو (سوء الظنِّ في القلب على الخلائق لأجل العداوة).

وفي الحديث الشريف قيل يا رسول الله، أي الناس أفضل؟ قال: كل مخموم القلب صدوق اللسان، قيل صدوق اللسان نعرفه، فما مخموم القلب؟ قال: هو التقي النقي، لا إثم فيه ولا بغي، ولا غل ولا حسد .

قال الشاعر

الحقدُ داءٌ دفينٌ لا دواء له               يبري الصدور إذا ما جمرُهُ حرثا

فاستشفِ منه بصفحٍ أو معاتبةٍ                   فإنما يُبرئُ المصدورَ ما نفثا.

 

وقال الشاعر هلال بن العلاء في ذم سواد القلب والحقد

لما عفوت ولم أحقد على أحدٍ           أرحتُ نفسي من غم العداوات

إني أحيي عدوي حين رؤيته            لأدفعُ الشرَّ عني بالتحيات

وأظهر البِشرَ للإنسان أبغضه كأنه قد حشى قلبي مسرّات.

اما أسود القلب الحقود ممن عرفتهم فهو شخص كان ومازال يُدمن الطعن بي في الخلف، بل وأمام أصدقائي أنفسهم المقربين! ولا يملُ حتى الآن. وكنت كلما قابلته لا أضع بذهني أي من إساءاته عبر السنين بل أدفنها فلا أتذكرها وأقابله بالبسمة، وهو يصرّ على إظهار بغضه أمام المقربين وكأنه يريد إيصالها فلا يستطيع كتم أحقاده لي رغم وجهه ذو الضحكة الصفراء حين يقابلني كأن شيء لم يحصل منه!

 وما كان لي إلا من قول عنترة حُسن العبرة حيث يقول: لا يحملُ الحقدَ مَن تعلو به الرُّتَبُ*ولا ينالُ العلا مَن طبعُه الغضبُ.

القائد ذو"البئر المعطلة"

لم أجد أدق وصفًا لهذه الشخصية من الآية الكريمة التي ترد فيها اللفظة واليكم الآية الكريمة ﴿فَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُّعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَّشِيدٍ ﴾(الحج: 45). وهي تعود على البئر بما فيه من الماء.

والبئر(المعطلة) هي المتروكة بموت أهلها ، وكذلك القصر المشيد هو الرفيع الخالي بموت أهله. وهذه الشخصية التي تظن بنفسها الموسوعية والكمال أو التُقى أوالقيادية المتخمة بالزهو هي بالحقيقة خاوية وبئر معطلة على عكس توهمها فهو ميت بزهوه ونزقه رغم وجود البئر في كل منا. لكن انتفاخ شخصيته يدعمها البطانة السوداء وعيون "البصاصين" وأقاويل الدساسين، وأعمال الحُجّاب (جمع حاجب) الواقفين بالباب.

ومادام نزقا منتفخًا معطلًا فهو متكبر بالضرورة، ويصدق فيه أيضًا قول الباري: (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ إِنَّا بِالَّذِيَ آمَنتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (الأعراف: 75-76) وكما قال عليه السلام: لايدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر.

هذه الشخصية المنتفخة تناسبها الشخصيات الحمقاء، والجاهلة مادامت تبدو وفيّة لها، تغرف من نبع الرذالة والمهانة والوضاعة، وتعمل لتكبير حجم الزهو والرفعة والعظمة الموهومة عند المدير أوالسلطان أو الزعيم أو حتى راعي الإبل.